الأبارتهايد .. من جنوب افريقيا إلى القدس

براء طينة – تفوَّق نظام دولة الاحتلال الاسرائيلي على نظام الابرتهايد في جنوب افريقيا ، ليُصبح بذلك نظام الابرتهايد الأوّل في العالم .

النظام العنصري في جنوب افريقيا سلب وانتهك أبسط حقوق السود واعتبرهم مجرد عبيد يُمارِس الإنسان الأبيض سلطته عليهم، وعمل جاهداً على طمس حضارة الشعوب الإفريقية والاستيلاء على مقدّراتها.. ليس فقط ذلك ، فهُم جعلوا من العنصريّة نهجاً يقومون بتطبيقه بين الجنسين بشكلٍ يَحظُرُ على البيض الاختلاط مع السود في شتى مناحي الحياة .

أمّا بالنسبة لدولة الاحتلال فقد فاقت ممارساتها كل ما قامت به دولة الأبارتهايد في جنوب افريقيا.

يومياً يُمارَسُ نظام الأبارتهايد في مدينة القدس، فيُمنع الفلسطيني في القدس من الوصول الى منزله دون الخضوع الى تفتيش، ويُمنع المؤذن من رفع الأذان في المسجد، تُهدم المنازل بِحُجة عدم الترخيص، وتضيع فرصة العمل من الشابّ الفلسطيني في القدس إذا ما وُجِدَ سجلٌ يدينه لدى شرطة الاحتلال حتى في سوق العمل الاسرائيلي الرخيص دون وجود أي بدائل أو فرص فلسطينية.

ممنوعٌ إنشاء أماكن اللعب أو النوادي وإن حدث يكونُ بعد شروطٍ تعجيزية، يُحظَر على الفلسطيني في القدس  الدفاع عن نفسه إذا اعتدى عليه اسرائيلي، ولا تُقبل شهادته إذا اعتُدِيَ عليه من قِبل الاسرائيلين بل ويتحَفظُ الاحتلال على سجلات الكاميرات ويمتنع من إظهارها  بحجج واهية.

يُتَّهم كل من مارس حقه بالتعبير والكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك مثلاً) بالتحريض، والمُضحك المُبكي أنه أيضاً يُمنع من السفر والتنقل اذا لم يدفع الضرائب والتي تجبى من الفلسطنيين في القدس، وحسب تقارير رسمية لبلدية الاحتلال لا يتلقى الفلسطيني في القدس ماقيمتة ٣٥٪ من المبالغ المدفوعة على شكل خدمات، حيث ان القانون الدولي  يسمح للمحتل جباية الضرائب من المحلتين بشرط توفير الخدمات والبنية التحيتة حسب ما نص علي نظام روما الاساسي.

تُقتَحم المنازل والمدارس ويُعتَقل الأطفال ولا يسمح لذويهم بمقابلتهم أثناء التحقيق والحبس المنزليّ التعسفيّ هو مصير أغلبهم .

تطول قائمة الممنوعات والمحظورات بحق الفلسطينيين في القدس  أطفالاً وشباباً، نساءاً ورجالاً والحُجج دائماً جاهزة.

لا يطبقُّ الاحتلال ايّاً من قرارات الأمم المتحدة أو الشرعة الدولية إضافة الى سياساتها القمعية وقوانينها التمييزية ضد الفلسطينيين وهو ما يثبتُ أنها دولة عنصرية بامتياز وترتكزُ في عنصريتها بالأساس على الدعم الخارجي اللامحدود ضاربةً بعرض الحائط كافة الأخلاقيات والقيم الإنسانية ، بعبارةٍ أخرى أضحى اضطهادُ الفلسطينيين ثمناً لرفاه المحتل.

بالعودة قليلاً للوراء ، بدأت ركيزة دولة الأبارتهايد في الاحتلال الاسرائيلي بشكلٍ واضح في الوقت الذي انبثق فيه أركان هذا النظام – حكومة نتنياهو – التي عملت على تدعيم صلاحيات وزرائها من اليمين المتطرف أمثال موشيه يعالون و ميري ريغيف.

و تسخر حكومة نتنياهو قواها وتعمل بشكلٍ دؤوب على تهويد مدينة القدس مُيقِنةً انه ليس بمقدورها ان تقومَ بذلك الا بعد طرد الفلسطينيين من القدس وتفريغها من الوجود الفلسطيني وهي تعلم ان ما يُسهِل مهمتها هو انشاء نظام الابارتهايد العنصري في القدس وفرض السياسات القمعية والقوانين التمييزية الاضطهادية لتكون بذلك تُسرِّعُ من الوصول الى حُلمها الاسمى – بناء الهيكل المزعوم – على أنقاض المسجد الاقصى مُتجاهلةً كل من التاريخ الاسلامي والمسيحي فتُصبح بذلك المدينة المقدسة مدينة يهودية تحمل الطابع اليهوديّ الخالص .

ولا شكَّ ان ما تقوم به حكومة الاحتلال ليس وليد اللحظة وإنّما هو ايدولوجية خطّها زعماء اسرائيل وتنتهجها الحكومات المتعاقبة.

بالتمثيل على بعض السياسات التي ذكرتها سابقاً، ها هي بلدية الاحتلال تعملُ هي الأخرى كوحدة واحدة مع مؤسسة التأمين الوطني ووزارة الداخلية  الاسرائيلتين لتبتكر الطُرق والحيَل للاستيلاء على عقارات الفلسطينيين وهو ما ينطبق حرفيّاً على ما ذكرته د. سارة هيرشكوبيتس رئيسة قسم التخطيط الاستراتيجي في بلدية القدس حيثُ قالت : ” تعمل الحكومة الاسرائيلية على ان لا تتعدى نسبة العرب في القدس 28% ” ، فمثل هذا التصريح يُلخص كافة الانتهاكات والسياسات المُتَّبعة بحق المقدسيين .

مسلسل التهويد والاستيطان ليس بالجديد فهو متواصل منذ 1967 ، فالقدس تضيعُ يومياً وتستولي عليها حكومة اسرائيل قطعة قطعة وبيتاً بيتاً والمخزي في ذلك هو ردود الفعل الهزيلة والخجولة في الشارع الفلسطيني والمقدسي خاصة والتي لا ترتقي لخطورة ما يجري في القدس ولمُجمل القضية الوطنية، بعيداً عن العاطفة وفي إطار سياسة الحكومة اليمينية في اسرائيل يتوجب علينا كفلسطينيين الوقوف وقراءة ما يجري في القدس بتمعُّن والنهوض من هذا السُّبات العميق ؛ لأن اسرائيل تستغل كل الثغرات حتّى تُلهينا عمّا يُحاك للقدس لتضرب ضربتها هُناك.

أختم وأقول لماذا كلُّ هذا الصمت والانصياع لهذه السياسات التي جعلت حياتنا كالجحيم وجعلت هجرتنا من القدس تظهر أنها طوعاً وليس قسراً مما يجعل حكومة الاحتلال قابَ قوسين او أدنى من تحقيق حُلُمها أما آن الأوان للوقوف عن تراشُق الاتهامات والحراك الفعلي أم أننا ننتظر أيوبيّاً أو مهدياً ليحدث ربيعٌ فلسطينيّ؟