الإقتصاد المقدسي بات قاب قوسين أو أدنى

اسلام الرجبي – بادئ ذي بدء ومنذ بداية الإحتلال عام 1967 رسم وخطط الأخير بمختلف الأساليب لسلب ونهب الأرض وما عليها من خيرات حيث قام بوقف إعلان التسوية الذي يحفظ للناس حقوقها في ملكيتها لجعلها مصونة من أي إعتداء و/أو إدعاء من قبل الغير بأحقيتها بموجب سند التسجيل الطابو، والذي يقطع الطريق على كل أصحاب النوايا السيئة والأجندات الخارجية من أي مكسب يريدون تحقيقه بطريق غير مشروع، وبمفهوم المخالفة تجميد هذا الإجراء أو القانون يحقق ما يسعى له الإحتلال من تشتيت وضياع للحقوق لتسهيل عملية بسط يده على مزيداً من الأراضي لتحقيق ما يصبو له، وهو هدفه الأسمى تسريبها.
وعطفاً على ما تم التمهيد له للولوج إلى أساس الموضوع فإن المرحلة الثانية بنظر هذا الغاصب التي من شأنها أن تعزز وتمكن وجوده على أرض غيره هي الُلعب على وتر الإقتصاد فهما خطوتان متلازمتان لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى إن أراد تحقيق الديمومة والاستمرارية التي من شأنها أن تجعله مزروعاً في هذا المكان كشجرة زيتون مغروسة منذ آلاف السنين الأسبق من وجوده، ونجح فيما خطط له في بادئ الأمر بدليل أنه جاثم على صدورنا نحو أكثر من نصف قرن من الزمان.
فما يرنو له قد وصل إليه من خلال تهميش الإقتصاد الفلسطيني وجعله هَش ومما زاد الطين بِلة الاتفاقيات الدولية الموقعة ما بين منظمة التحرير وما تسمى “بإسرائيل” كاتفاقية أوسلو مثلاً التي ما زالت تحكمنا، وتتحكم بنا بمزيداً من القيود ومن المفترض أنها إنتهت من حيث السريان منذ عدة سنوات وبالمناسبة أنا ضدها لأنها تعيق استقلاليتنا في شتى المجالات، وحقيقة تشكل عقبة نحو تقدمنا إلا أنني أتفهم الظروف والأسباب التي دعت إلى توقيعها حيث جاءت كاطار عام ونظمت في شق منها الجانب الاقتصادي إلا أن إتفاقية باريس وهي الإسم المتداول للبروتوكول الإقتصادي الملحق باتفاقية أوسلو والموقعة بعد عام من تاريخ الأخيرة، وهي أيضاً منتهية الصلاحية كسابقتها قانونياً ولكنها مستمرة عملياً والمحددة بخمس سنوات على أساس إعطاء الإقتصاد الفلسطيني فترة انتقالية ليقوم برسم إستراتيجية لبناء السياسات محل هذه الإتفاقية إلا أن “إسرائيل” رفضت هذا الأمر مع إنتهاء المدة المتاحة لذلك، وما لفت انتباهي أن هناك شرط وافق عليه الجانب الآخر في الإتفاقية بأحقية السلطة بتعديل أي بند من بنودها إذا أرادت ولا أعلم أن قامت بإستخدام هذا الحق كما هو واقع الحال في عدم إستخدام حق التحفظ على بنود المعاهدات.
فكان الأجدر على حكومة د. سلام فياض آنذاك أن تقوم ببناء وهيكلة إقتصاد قوي عوضاً عن بناء دولة المؤسسات التي أرهقت المواطنين بما وفرته لهم من امتيازات وأقصد القروض، ولو فعلت ذلك لتجنبنا التبعية ولجعلناهم ملحَقين بنا وليس العكس فأساس نهوض أي دولة وعدم تعلقها بالآخر هي القوة الإقتصادية وليس بأمر خفي من يتمتع بهذه الأحقية يفرض كلمته على الساحة السياسية الدولية أو حتى المحلية كما نعايش نحن هذه المعضلة. ويا حبذا لو تحقق ذات يوم هذه المقولة نريد أن نلبس مما نصنع ونأكل مما نزرع.
صراحة مما دفعني للكتابة بهذا الخصوص الهام الحِس والواجب الوطني أولاً ومن ثم الشعور بحجم المشكلة التي نراها تتدحرج وتكبر يوم بعد الآخر إلى ما وصلنا إليه اليوم من غياب للثقافة التحررية الوطنية في ظل التبعية للاقتصاد الإسرائيلي والأخيرة هي مشروع حملة نعمل عليها مع عدد من الشباب المقدسي الفذ والواعي المكترث لمشاكل وقضايا وطنه من خلال مشروع حراك لدعم التغيير التي من شأنها أن تقوم بالإيقاع به إذا ما إستمرت دون تسليط الضوء عليها، وارباك كل مسؤول بموقعه بما يترتب عليه من واجب ومسؤولية اتجاه هذا القطاع الهام والمهم بما يرتبه من آثار مستقبلية تلقي بظلالها على جموع الشعب الفلسطيني عموماً، ولا سيما المقدسي منه، وتقويض عملية الانعتاق من الإحتلال الثاني الذي نواجهه في ظل السلوك المادي والملموس الذي يتعزز بداخل كل فرد في الثقافة الاستهلاكية الشرائية النابعة بكل أسف من الإيمان المطلق بجودة المنتج الخارجي الذي يغزونا، وعدم الثقة و/أو التطلع للمنتج الوطني المحلي!!
ونتيجة البحث والتمحيص الأولي لم أرى هناك ما يتحدث عن القدس صراحة أو يعالج الموضوع بشكل مباشر فيما يتعلق بتنظيم العلاقة الإقتصادية أي التبادل التجاري ما بين الطرفين، ولربما هي خاضعة لتفاهمات مشتركة خاضعة لأهواء الجانب الإسرائيلي ومتغيرة بحسب الظرف والزمن ضمن شروط وقيود مختلفة مما يؤكد بأنها مستثناة تماماً من أية ترتيبات لكونها تتمتع بخصوصية خاصة مما يجعل معالجة الأمر أكثر صعوبة، وعودة على العنوان الأساس فيما يتعلق بالوضع الإقتصادي المقدسي حقيقة يرثى له فهو الآن بمحاولة مستعصية للالتقاط أنفاسه الأخيرة اما ليعلن النجاة أو فقد المحلات التجارية للحياة. لا أحد من هذا القطاع وأقصد أصحاب المحال راضي عما آلت إليه الأوضاع فهي تتدهور من سيئ لأسوأ، وتزداد ازدراءً بمرور الأيام فهم المتضررون الوحيدون، ومع ذلك أخذوا على عاتقهم سياسة الثبات والصمود كأكثر الوسائل إتاحة أمام حجم الضغوطات التي مورست وتمارس، وستظل ما بقي الإحتلال لإدراكهم سياسة افراع المدينة المتبعة فبقائهم بمثابة تصدى صارخ لما يحاك ضدهم على الرغم من حجم الضرائب التي أثقلت كاهلهم المتمثلة بمبالغ متراكمة باهظة الثمن لا يستطيعوا سدادها مهما بذلوا جهداً كونها تفوق الخيال، ولا تتناسب وحجم المعيشة بَلْ بقوا ملازمين لأماكنهم رغم المعاناة المجحفة، ولا يتزحزحوا منها قيد أُنملة. حيث أضحت الصورة جلية أمام انظارهم والمتمثلة بدق آخر مسمار في نعش الإقتصاد إلا أنهم صامدون في سبيل أحياءه. ولا أستهجن في ذات يوم إن قام أحدهم بإعلان محله للبيع لأي كان تخلصاً منه من ضغط نفسي يؤلم رأسه، ويؤرق جسده ويقلق راحته دون شعور الآخر بما يعانيه فعلى تجار الوطنية وكل من يدعي العمل لأجل القدس ويتخذه شعاراً له في كل محفل يحل عليه، ويتقاضى على أساسه الدعم لحساب أبناء القدس أن يتقدم بشجاعة ويعلن موقف مشرف يعكس مصداقية عمله وما أكثرهم، وإلا لن يكون بوسعنا أن نلوم من ستسول له نفسه ببيع عقاره لا قدر الله لمن ينتظر الفرصة لأنه سئم تلقي فواتير تحمل أرقام خيالية أو إنذارات تمهله فرصة أخيرة لإغلاق هذا الملف أو مصيره الحبس عدا عن تحميل ورثته من بعده هذه الديون الغير عادلة دون وقوف أحد جانبه ليمد له يد العون، ونقدر استقبال السيد الرئيس لمجموعة تمثل تجار القدس لمشاركتهم همومهم إلا أنها لا تعدو كونها وقفة معنوية فهم يحتاجوا الدعم المادي الذي يمكنهم بمزيداً من الصمود فكفانا نتصدر الصفوف الأولى في الدفاع عن كرامة وشرف الأمتين العربية والإسلامية دون مشاطرة الآخرين لنا هذا الحمل.
وما نصبو إليه في خضم المعركة الشرسة والواقع المعقد التي تعيشه التجارة في القدس، وما تعاني منه الأسواق وأصحابها داخل سور القدس خصوصًا استخلاص الدروس من ما جرى في البلدة القديمة في خليل الرحمن من واقع مؤسف حيث التعنت وإحكام السيطرة الغير مسبوقة، والحاح لافراغ المكان من مضمونه بما يحويه من أمور هامة فتجار الخليل فاضت محلاتهم بالمياه بسبب عدم منحهم الترخيص اللازم لإصلاح البنية التحتية، وكذلك ما حصل بشارع الشهداء من شل حركته بإغلاق محلاته وهذا الحال ما لا نريده أن يتكرر بشارع الواد في القدس حيث ومن يعمل به مستهدفاً منذ أحداث الهبة الأخيرة كذريعة حيث أعين القوة القائمة بالاحتلال ترنو للسيطرة عليه لتحقيق ما حصل في الخليل.
لذلك اقول يجب العمل على إعادة بناء المنظومة البنيوية الداخلية في سبيل التحرر من التبعية الإقتصادية المستقبلية التي ستؤدي لبناء أركان دولتنا، وجعلها لَبِنة في قوام أساسها المتين، ودونها سنبقى راضخين غير آبيهين. ختاماً اما آن الأوان لأن يُسدل هذا الستار للتمكن من مساءلة صناع القرار، وكل من تسبب بصناعة هذه الأقدار؟