نروي

نقش وهوية

نروي – الأرض والحكاية
لإحياء مناطق أثريّة وطبيعيّة حول محافظة رام الله

في ظل ممارسات الاحتلال التي تحاول السيطرة على كل ما هو تاريخيّ وأثريّ في فلسطين، والتي في أقلّها تعمل على توسيع الفجوة بين الفلسطينيّ وتاريخه والمناطق الأثرية التي تشهد للرواية الفلسطينيّة، والسيطرة على الثروة الطبيعية أو تبعيد الفلسطينيّ عن جمال الطبيعة الفلسطينيّة، تعمل مؤسسة الرؤيا الفلسطينية على احياء ستة مناطق طبيعية واثرية حول رام الله، بتنظيم سلسلة جولات الى المناطق. نروي الأرض الفلسطينية لتنبت وتكبر، ونروي الحكاية الفلسطينية وحكاية المناطق الأثرية والطبيعية في فلسطين التي تشهد لنا، قامت مؤسسة الرؤيا الفلسطينية بإصدار ابحاث وبوسترات حول تلك المناطق ستوزع على المشاركين في الجولات.

المناطق التي تنظم لها الجولات

وادي النطوف وكهف شقبة

يقع كهف شقبة على الضفة الشمالية لوادي النطوف شرقي قرية شقبة، في الجانب الغربي من تلال القدس، على بعد حوالي عشرين كيلومترا شمالي غربي مدينة رام الله. يعدّ كهف شقبة الموقع النموذجي للحضارة النطوفية المعروفة على النطاق العالمي. وهي الحضارة التي قامت على اقتصاد الصيد والجمع، وسبقت مباشرةً المرحلة الزراعية التي قامت على تدجين النبات والحيوان ودمجهما في الحياة المستقرة.
تكون الكهف نتيجة نشاط كارستي، واكتشف الكهف بوساطة العالم ماللون في عام 1924 كما قامت دورثي غارود بإجراء تنقيبات فيه، وقد أظهرت غارود الدليل على وجود حضارة تعود إلى العصر الحجري المتأخـّر غير معروفة، وهي الحضارة النطوفية (التي سبقت عصر الزراعة) نسبة لوادي نطوف.

أما الكهف، وهو واحد من أكبر كهوف فلسطين، فيفتح على حجرة رئيسة (قطرها ثمانية عشر مترا) فيها مدخنتان في سقفها وثلاث حجرات جانبية. وقد أظهرت الحفريات التاريخ الطبقي للموقع، الذي تحتله مرحلتان من حقبات ما قبل التاريخ، حقبة لوفالوا- موستيريان العليا، والحقبة النطوفية العليا مع الدلائل على استخدامها منذ العصر البرونزي المبكر الأول وحتى وقتنا الحاضر. وتتشكل البقايا الحجرية من الطبقة لوفالوا- موستيريان العليا من أسلحة وشظايا مسننة وأدوات دائرية وفؤوس يدوية ومثاقب وكمـّية كبيرة من المكاشط الجانبية. كما وجدت أيضا شفرات مناجل مصنوعة من الصوّان كانت تستخدم في حصاد الحبوب البرّية والقـش. وتدل البقايا النطوفية على طريقة إنتاج تعتمد على الصيد والجمع المكثف للحبوب البرية من خلال مجموعة متعاونة لمجموعات ما قبل عصر الزراعة.

دورا القرع
تقع دورا القرع على بعد 5 كم إلى الشمال الشرقي من رام الله، وعلى بعد 1 كم إلى الشرق من طريق رام الله نابلس، تعود أقدم الدلائل الأثرية في دورا القرع إلى الفترة الرومانية، وقد أظهرت المسوحات الأثرية مقاطع صخرية ومقابر وقنوات مائية. وعلى امتداد الوادي الواقع عند الطرف الشرقي للبلدة هناك ما يزيد عن سبع عيون ماء شكلت أساس نظام الري التقليدي الذي ما يزال مستخدما في البلدة. ويتكون من قنوات وبرك محفورة في الصخر أو مشيدة بالحجارة استخدمت لري الخضار المزروعة في بساتينها. والتي تتمتع بشهرة خاصة في المنطقة. وتضم نواة البلدة القديمة في القرية نماذج من الأحواش القديمة ومعصرة زيت.

يطلق سكان القرية على الموقع التي تتواجد فيه عيون المياه: منطقة العيون، وتسمى الأراضي المنتفعة منها تاريخياً اسم الحواكير، وأشهر خمسة عيون، هي: عين المغارة، العين الفوقا، عين الدرة، عين الدرج، العين الأولى، وتقع تلك العيون بشكل طولي وبعضها قريب جداً من الأخرى بحيث يصعب تمييز وجود أكثر من عين ماء، كما تقع جميع تلك العيون في الجهة الشمالية لمنطقة البلدة القديمة، ولهذا توجد الحواكير في الجهة الشمالية الشرقية والشرقية لبيوت البلدة القديمة في دورا القرع. أمّا من حيث موقع العيون بالنسبة للجبل، فهي تقع في منطقة مرتفعة بالقرب من الوادي المنحدر بين جبل عرموط وجبل غراطيس، وكذلك في منتصف المنحدر، في المنطقة التي بدأت فيها الأرض بالانبساط، ومن منطقة وجود العيون تبدأ الأراضي السهلية على جانبي الوادي بالتوسع مما يوفر مساحة أكبر من الأرض المناسبة لزراعة الخضروات وغيرها، وكانت تعتبر تلك الأراضي (الحواكير) رئة القرية الاقتصادية، حيث استخدم جميع سكان القرية تاريخياً تلك الأراضي للانتاج الزراعي.

مقام سيدي شيبان
يقع مقام سيدي شيبان في أقصى الجهة الشرقية الشمالية لمدينة البيرة، ويعتبر الأهم بين سبعة مقامات تحيط في المدينة، وهي مقام الشيخ شيبان، مقام الشيخ يوسف، مقام الشيخ نجم، مقام الشيخ مجاهد، مقام الشيخ سلمان، مقام الست أم خليل ومقام الست بطمة، حيث يرتبط مقام الشيخ شيبان أكثر بأهالي البيرة وبعض القرى الشرقية للمدينة، ويتميز مقام الشيخ شيبان من بين مقامات البيرة وعدة مقامات في قرى مجاورة بأنه كان لا يحترم فقط من سكان ’قرية البيرة‘ وإنما من كثير من القرى المجاورة وكان ينظر لزيارته كبديل عن زيارة مقامات رئيسية كمقام النبي موسى في حال تعذر ذلك. لا يوجد معرفة علمية حول صاحب هذا المقام “الشيخ شيبان”، وهذا هو حال الغالبية العظمى من المقامات في فلسطين، وهذا يرجع إلى ارتباط هذه المقامات بالدين والمعتقدات الشعبية الفلسطينية، ولهذا تكثر الروايات حول صاحب المقام، وهناك روايتان عن هوية هذا الولي: “الأولى أنه جاء من المغرب العربي مع صلاح الدين الأيوبي لفتح القدس واستشهد في إحدى المعارك مع الصليبيين المستوطنين في البيرة والتي كانت خط الدفاع الأول عن مملكة القدس الصليبية، فدفن هناك ونال الولاية بعد موته، فبنى له أهالي البيرة ذلك المقام في الفترة الأيوبية. وفي رواية أخرى يقال بأن سيدي شيبان كان شيخاً متصوفاً اعتزل الناس ليهتم بأمور الدين فنال الولاية، فيما بني مقامه في الفترة العثمانية.

يتكون المقام من غرفتين تعلوهما قبتان، الأولى وهي الأكبر تقع في الجهة الغربية استخدمت كمصلى، حيث كان أهالي القرية يذهبون إلى المقام بقصد الصلاة حيث يدل المحراب الذي يقع في الجهة الجنوبية للغرفة على هذه الوظيفة، كما يوجد في جدران الغرفة كوة لوضع الشمع والقناديل. ويوجد في الجهة الشمالية من الغرفة باب تعلوه قبة نصف دائرية، أما الغرفة الثانية في الجهة الشرقية فهي أصغر حجماً وارتفاعاً، وهي غرفة الضريح، حيث يوجد القبر داخل الغرفة مغطى بسجاد لونه أخضر، للغرفة باب صغير من الجهة الشمالية. وقد بني المقام “من حجارة مدقوقة ومشذبة تتخللها الملونة، ووضعت بينها القصارة، والتي تظهر عليها آثار زخرفة قوامها أشبه بغصن النخيل. وتزين قبة المثلث من الداخل “بزخارف نافرة، قوامها خطوط نافرة تحيط بها، بحيث تشكل تلك الخطوط ما يشبه الصدفة أو الشمس، وأسفل قاعدة القبة وبين الخطوط عملت خطوط أخرى منحنية تقريباً أو أنصاف دوائر عددها (15)، وبالتالي شكلت صورة أشبه بالمحاريب تحيط بقاعدة القبة”. تنتشر حول المقام عيون المياه ومجموعة من أشجار السنديان (البلوط) وهذا يدل على الارتباط الانتاجي والديني مع المقامات، وقد حافظت أشجار السنديان على وجودها رغم التغير السلبي الذي طرأ على علاقة الناس مع المقامات، حيث حُفظت تلك الأشجار في منطقة خالية تماماً من الغطاء النباتي.

أحراش أم صفا
تقع أحراش أم صفا في شمال مدينة رام الله، وعلى أراضي قريتي أم صفا والنبي صالح، ترتفع أحراش أم صفا عن سطح البحر حوالي 650م، وتبلغ مساحتها حوالي 733 دونماً.
وهي غابة طبيعية تنتشر فيها الأشجار والنباتات البرية مثل السويد والعبهر والبطم الفلسطيني والخروب والقيقب والبرزه والبلوط، وتم إضافة أشجار الصنوبر والسرو إلى المنطقة في العام 1927، وتم اعتبارها منطقة حرجية محميّة.

عين وأحراش الزرقاء
جبال فلسطين على مر التاريخ كانت مغطاه بأنواع مختلفة من الأشجار والنباتات، مثل أشجار السنديان والبلوط والقيقب والبطم والسوِّيد وغير ذلك من أنواع الأشجار ابنة هذه البيئة والمناخ، ويدل على ذلك، انتشار تلك الأنواع من الأشجار في محيط المقامات والمزارات المقدسة، وصمودها في البقاء مئات السنين بفعل وجودها في أماكن مقدسة لدى أهالي هذه البلاد. أما أشجار الصنوبر والسرو، فهي أشجار مستحدثة في البيئة الفلسطينية، وزراعتها وحمايتها في تلك البقع المنتشرة في أرجاء فلسطين كان نتيجة الفعل البشري في الزراعة والحماية المخططة، وانتشارها في فلسطين تزايد منذ العشرينات من القرن الماضي.

تعتبر أحراش محمية الزرقاء القريبة من قرية بيتللو غرب محافظة رام الله، والتي أنشئت في عهد الإدارة الأردنية للضفة الغربية في الخمسينات والستينات خير مثال على الأحراش التي استحدثت بطريقة مخططة ومدروسة، وهناك أحراش أخرى أنشئت قبل ذلك، خلال فترة الانتداب البريطاني كما هو الحال في أحراش أم صفا، وهي أحراش محمية الزرقاء (غابة الهاشمي) وعيون المياه فيها. وإلى الغرب من مدينة رام الله تقع عين الزرقاء وتبعد عنها حوالي 19كم، وتقع أراضي المحميّة وكذلك بعض عيون المياه على الأراضي الشمالية لقرية بيتللو، بينما يقع الجزء الجنوبي والغربي لعيون المياه في أراضي قريتي دير عمار وجمّالا، وما يميز المنطقة وقوعها بين مجموعة من سلاسل الجبال، مما يجعلها ممراً للعديد من الأودية المائية في فصل الشتاء، ولمياه الينابيع في تلك المنطقة، كما تعتبر المنطقة جزء من حوض الناطوف غرب مدينة رام الله، والتي تبلغ مساحته حوالي 200كم، وأهم مميزات هذا الحوض كثرة تواجد الينابيع فيه.

أحراش جيبيا
تقدر المساحة الكلية لأراضي جيبيا حوالي 1666 دونم، فيما تبلغ مساحة الأرض الحرجية حوالي 542 دونم، وتتراوح ارتفاعها حوالي 650-675م، ومعدل سقوط الأمطار السنوي حوالي 600ملم، وتتميز بوجود المناخ الرطب والبارد شتاءً والجاف والحار صيفاً مما يوفر البيئة الملائمة والمناسبة لنمو الأشجار، كما أن تربتها الحمراء (التيراروزا) الغنية بالمواد العضوية (الدبال) المتكونة نتيجة للظروف المناخية. كما يوجد في منطقة الأحراش حوالي 16 نوع نباتي، بالإضافة إلى الكثير من الشجيرات والأعشاب والحشائش والمتسلقات التي تنمو في المنطقة، وما يميز الأرض الحرجية في قرية جيبيا عن غيرها من الغابات والأراضي الحرجية الأخرى أن بعض أجزاء المنطقة الحرجية تتخللها بعض أشجار الزيتون كون المنطقة كانت زراعية سابقاً، وكذلك وجود العديد من المصاطب والسناسل الحجرية. رغم قرب المسافة بين أحراش أم صفا وأحراش جيبيا إلا أن هناك بعض الإختلافات بينهما، “بشكل عام يتصف حراج أم صفا بقدم عمره ويقدر بتسعة عقود، ويدل الغطاء الشجري الكثيف والشاهق الارتفاع على عمر الأشجار فيه كما يدل قطر بعض الأشجار على ذلك، وهذا ما لا يتصف به حراج جيبيا الذي يفترض عمره أربعة عقود، فأشجارها أقل إرتفاعا وأقطار جذوعها أقل مقارنة بحراج أم صفا، كما يعتبر حراج أم صفا أكثر كثافةً وتنوعاً بالأنواع النباتية من حراج جيبيا فهنالك فرق ما بين كلا المنطقتين من ناحية الوفرة والكثافة والأنواع وطبيعة العلاقات الحيوية النباتية.

يوجد في الزاوية الشرقية لقرية جيبيا موقع أثري يدعى خربة صيا يعود إلى الفترة البيزنطية، وقام الدكتور حامد سالم، وبالتعاون مع متخصصين وطلبة من جامعة بيزيت وأجانب بالتنقيب في الموقع عام 1999، وبيّنت التنقيبات الأثرية في الموقع على وجود العديد من الشواهد والمعالم التي تدل على بقايا لقرية رئيسية في العهد البيزنطي. يقع الموقع الأثري على مساحة تبلغ 45 دونم، كما تدل المعطيات الأثرية في الموقع أن تلك القرية قد اعتمدت اقتصادياً على فائض إنتاج زيت الزيتون وكذلك النبيذ المصنّع من محاصيل العنب التي كانت منتشرة في المنطقة، وأيضاً اعتمدت القرية اقتصادياً على المحاجر والتي تميزت بإنتاج حجر ذات جودة جيدة زودت القرى والمواقع البيزنطية الأخرى. وأيضاً دلت الإكتشافات الأثرية على وجود كنيسة ومعصرة زيتون في الزاوية الشمالية الشرقية من القرية. وتجدر الإشارة إلى أن خربة صيا تقع على أحد الطرق القديمة، والمعروفة باسم طريق رومانيا، والطريق يأتي من القدس إلى مدينة البيرة، جفنا، ثم شمالاً نحو مدينة نابلس، وشرقاً نحو بيرزيت، ثم إلى خربة صيا، مما يؤدي من هناك نحو رأس العين، ومن ثم إلى قيساريا أو يافا، واثنين من الموانئ خلال الفترة الرومانية والبيزنطية.